• السبت 15 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر09:17 ص
بحث متقدم

بسملة .. تفاقم العرض والمرض !

مقالات

" لا يوجد أحد يكره شخصا ً بسبب لونه أو دينه ، فإن الناس و إن كانوا قادرين على تعلم الكراهية ، فلابد و أنهم قادرون على تعلم الحب ! " هكذا قال المناضل الإفريقي المعروف " نيلسون مانديلا " ، و كان يعقب _ في حقيقة الأمر _ على تاريخ طويل من العنصرية و الاستعلاء باللون و الطبقة في بلاده ، و ظل الرجل للحظة الأخيرة يدافع عن حق بني جلدته في التعامل الندي على قدم المساواة ، و ارتقاء الوظائف العامة حتى تم له ما أراد من الأهداف و الغايات النبيلة ، بعد أن سلخ من عمره سبعة و عشرين عاما ً داخل السجون بسبب سياسات " الأبارتيد " ( الفصل العنصري ) ! و لا نعتقد أن الظروف التي تسببت ل" مانديلا " و شعبه في " جوهانسبرج " في ترسخ هذه النكبات و المآلات العنصرية السوداء _ قبل أن تتبدل الأمور بالديمقراطية و المساواة و دولة القانون _ أقول لا نعتقد أن هذه الظروف عصية على أن تتكرر متى تكررت السياسات و التوجهات ذاتها ، ف " العنصرية " نبتة خبيثة ، تتشكل على مهل ، دون أن نحس ، و تمد أذرعها المسمومة دون أن نفطن إلى تغلغلها في أحشاء المجتمعات ، و تلتصق بخطواتنا دون أن نتنبه إلى ملازمتها لما نقول أو نفعل ! 
 فقديما ً رأى البيض أنهم الأحق بالحياة في جنوب إفريقيا ، و أن السود وجدوا ليكونوا خدما ً و عبيد الإحسانات فلاحق لهم في فرصة متكافئة ، أو وظيفة مساوية ، أو مواطنة كاملة ، أو رأس مرفوعة ، و من هنا تعرض " مانديلا " و رفاقه لعشرات المواقف العنصرية المحرجة ، و مثالا ً لا حصرا ً ، فقد استقل " مانديلا " _ بطريق الخطأ _  الحافلة المخصصة للبيض يوما ً ، فصرخ " الكمساري " و الركاب في وجهه : " أيها " الكافير " عليك بالمغادرة ! " و دخل الرجل يوما ً مدرج جامعة " جوهانسبرج " _ في سنوات دراسته للحقوق _ و التفت عن يمينه ، فوجد طالبا ً أبيض ينظر إليه بقرف و تقزز ، ثم يجمع أوراقه و يغادر المقعد المجاور ناظرا ً إلى مانديلا باحتقار و حقد ، و كأنه طاعون يتعين تجنبه ! و تصاعدت سياسات الفصل العنصري الموتور ، حتى رأى " مانديلا " سلطات الفصل العنصري ، تفرغ مدينة " صوفيا تاون " من سكانها السود تماما ً ،  و كأنهم أسراب جراد يجري طردها من المدينة ، أو كأن المدينة الجميلة خسارة في جثامينهم السوداء ! 
 و هذا السياق التاريخي و الحضاري الذي نباشر اجتراره من الماضي القريب _ لا البعيد _ فرض نفسه على وجداننا ووعينا ، و نحن نرى منذ أيام ، معلما ً للغة العربية في " دمياط " يهين " بسملة علي " الطالبة المصرية سمراء اللون ، في مدرستها الإعدادية ، أمام زميلاتها و زملائها في الفصل ، فيقول للطلاب و هو يشرح لهم درس النعت في النحو : " أعربوا جملة : " بسملة تلميذة سوداء !! " ثم يجبر الطالبة المسكينة الدامعة على الوقوف و القعود عدة مرات ، في مسعى خبيث لتحطيمها نفسيا ً من الداخل ! و كان تصرفه معبرا ً عن غل و استعلاء  طبقي مجنون ، ذي طابع " عنصري " مكشوف شديد الوضوح ! تصاعدت القضية إعلاميا ً بسبب قوة وسائل التواصل الاجتماعي ، و قدرتها الواضحة على الحشد الإعلامي الكبير و إثارة الأمر على أوسع نطاق ممكن  ، و منح الزخم المطلوب للقضية و صاحبتها ، حتى تدخلت وزارة التربية و التعليم ، و المحافظة في أعلى المستويات ، بعد أن وصلت وسائل التواصل الاجتماعي بالقضية من خلال التعليقات و التغريدات ، إلى أعلى سقوف الضغط و الاحتقان و الغضب المشروع ! 
 و الإعلاميون  المصريون _ من خلال الإعلام المسموع و المقروء و المرئي _ هم آخر من يسأل : " كيف حدث هذا ؟ " أو " ماهذا التنمر الرديء ؟ " أو " متى ولدت هذه العنصرية السوداء في وطننا ، الذي لم يعرف هذا الغل العنصري يوما ً ؟ " أقول إن أبواقنا الإعلامية الناعقة _ على وتيرة واحدة ! _ هي آخر أبواق يمكن أن تستنكر الخطاب العنصري الذي تمارسه طول الوقت ضد فئات و شرائح و فصائل كثيرة في مجتمعنا ! و خطابنا الإعلامي المصري ، في العموم ، هو آخر خطاب إعلامي يحق له أن يستنكر العنف اللفظي العنصري ، و هو يباشره طول الوقت ضد فئات يراها ، أكثر دونية و أقل حقوقا ً ، و الأمثلة كثيرة ، فقد رأينا من يشن حملات مسمومة شديدة الحقد ضد فتاة لمجرد غطاء رأسها ، و يعتبر هذا الغل الأسود نوعا ً من الوطنية ، و يسرب هذا الحس الطافح بالحقد إلى الرأي العام دون أن يأبه للنتائج الخطيرة ! و رأينا إعلاميين ينطقون في الشاشات ، أو الزوايا و الأعمدة الصحفية ، بما يشبه فقه الاستباحة ، و كأنهم يدقون طبول الحرب ضد بعض المختلفين معهم سياسيا ً ، و كأن الاختلاف السياسي الذي تقره كل المواثيق الدولية ، عمل مخاصم للوطنية ، أو مجاف ٍ لحالة السواء النفسي و الاجتماعي و الوطني ! و تصاعدت وتيرة الضخ الإعلامي المسموم في هذا الاتجاه ، بتأثير الاحتقان السياسي القائم ، حتى رأينا من يطل من الشاشات ، داعيا ً إلى القتل الصريح ، و كأنه يحيي العلم الوطني ، و لا يستبيح نفوسا ً و دماء !! و لوقيس بعض ما قاله إعلاميونا _ في المجمل _ عبر سنوات ، بما قاله مثلا ً " حسن إنجيزي " الإعلامي الرواندي الذي كان من أسباب اندلاع الحرب الأهلية في رواندا ، قبل سنوات ، بخطابه الإعلامي التحريضي ، و قد عوقب أمام الجنائية الدولية في " لاهاي " ، أقول لوقيس ما قاله بعض إعلاميينا إلى ما قاله " إنجيزي " المعاقب دوليا ً ، لبدا " إنجيزي " حملا ً وديعا ً إلى جوارهم ! إن دولة بحجم " بريطانيا " قد أقرت ، قبل قرن مضى ، مواثيق إعلامية مغلظة تمنع العنف أو الحض الإعلامي ضد " الأقليات " أو ما أسمته " اللجنة الملكية الإعلامية البريطانية " عام 1949 " إثارة الكراهية ضد مجموعات سياسية أو عرقية أو دينية " ، و هو بعينه ما أقرته رابطة المحررين الأمريكيين في " تكساس " عام 1910 ، حتى لا يتحول الإعلام إلى " فاكهة مسمومة " تحقن الشعوب بالسم الزعاف ، و تحول فئات المجتمع إلى شرائح متعادية في سباق عنصري / صراعي محموم !   
 لقد استخدمت كلمة " العنصرية المتصاعدة " قبل عامين في هذه المساحة الصحفية ، و أنا أرى شواهدها تتأكد في مصر  ، و مظاهرها تتفاقم بصورة كارثية ، و ثمارها المسمومة تتساقط باطراد فوق رؤوسنا ، على هامش استحكام الأزمة السياسية الكبيرة ، و ترسخ قوائمها جنبا ً إلى جنب مع الخطاب التحريضي الإعلامي القائم على التأجيج و إشعال النفوس بالحقد و الاحتقان  ! و استغرب بعض  الناس _ آنذاك _ حين حذرت من " العنصرية المتصاعدة " في وطننا دون أن نحس ، و حذرت من وصول هذه العنصرية إلى محطات شائكة أو مرضية أو مخجلة ، و هو ما أحسسنا به بالفعل مع قضية " بسملة " التي دقت ناقوس الخطر إلى جوار آذاننا بقوة لم نشعر بها من قبل ،  حيث سألنا بعفوية : " كيف أصبح المصريون كذلك ؟!! "
 و ببساطة ، فنحن نحصد حنظلا ً و مرارات ، من جراء خطاب إعلامي " تعبوي " شديد الحمق و الحقد نمارسه بانفلات مخجل منذ سنوات ، وصل بنا _ بالتراكم _ إلى هذا الأفق ( المنذر بخطر كبير ) ، و هو خطاب يباشره " غير مؤهلين " ملأوا " ماسبيرو " و " مدينة الإنتاج الإعلامي " بالشتائم الفوضوية ، و التحريض المرتجل ، و العبارات أو الكليشيهات المتكررة المعبأة بالعنف و الكيد الأسود ، و لم نقف لنسأل : " هل يمكن أن تكون الاستباحة وطنية ؟ و هل يمكن أن يكون دق طبول الاحتراب الداخلي الإعلامي  المفتوح ، عملا ً يخدم البلاد ، بأية صورة من الصور ؟! " و لا مفر مع هذه الأعراض و الأمراض ، من خطوة إلى الوراء نسأل فيها أنفسنا بوضوح : " إلى أين نمضي بأنفسنا و بوطننا ؟ و هل ندفع له بسترة النجاة و عوامة الإنقاذ ، أم نزج به في عين العاصفة؟! 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

كيف تنظر إلى ملابس الفنانات خلال المهرجانات الفنية؟

  • ظهر

    11:55 ص
  • فجر

    05:22

  • شروق

    06:51

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى